في يوم الأربعاء الموافق 20 يونيه 2007، وبعد أسبوع من انتهاء أحداث الفتنة التي وقعت في غزة بين فتح وحماس يوم 14 يونيه 2007، عقدت وكالة الأخبار الإسلامية "نبأ" ندوة موسعة شارك فيها أكاديميون ومفكرون وصحفيون تحت عنوان "حماس.. وخيارات مابعد الفتنة". استمرت الندوة حوالي أربع ساعات، وشهدت تبايناً في الآراء والأطروحات لكنها انتهت الى عدة توصيات أجمع عليها المشاركون لتكون بمثابة علامات مضيئة أمام حركة حماس وهي تتحسس طريقها نحو المستقبل في هذه اللحظة التاريخية.. إنطلاقاً من الحديث النبوي الشريف: "انصر أخاك…" والحكمة الخالدة: "صديقك من صدقك".
قدم الندوة الأستاذ أحمد الوكيل؛ مدير عام الشركة العربية للأبحاث (الناشر لوكالة الأخبار الإسلامية "نبأ") بكلمة رحب فيها بالمشاركين وهم:
- د. أحمد عبد الرحمن، أستاذ الفلسفة الإسلامية والمفكر الإسلامي المعروف.
- الأستاذ محمد فودة، الكاتب الصحفي ورئيس تحرير جريدة "المساء" المصرية سابقاً.
- الأستاذ طلعت رميح، المستشار السياسي السابق لوكالة الأخبار الإسلامية "نبأ" ورئيس تحرير دورية "استراتيجيات".
- د. مازن النجار، مفكر وناشط سياسي فلسطيني.
- د. بسام حسنين، باحث ومحلل استراتيجي.
- د. باسم خفاجي، رئيس المركز العربي للدراسات الإنسانية.
- د. محمد مورو؛ رئيس تحرير مجلة "المختار الإسلامي".
- د. عبد العزيز كامل؛ مدير مركز "أجيال" للأبحاث وعضو هيئة تحرير مجلة "البيان" اللندنية.
ثم عرض الأستاذ "أحمد الوكيل" محاور الندوة قائلاً: إننا في وكالة الأخبار الإسلامية "نبأ" نعقد ندوات لبعض الأحداث الجارية تكون ذات رؤية وطابع مستقبلي.. تناقش الحدث الآني لصياغة سيناريو مستقبلي. وندوتنا اليوم تبحث في شأن مهم يجري الآن على الساحة ويخص الأمة؛ لأن الوضع في فلسطين يفرض علينا تقديم النصح للتيار الإسلامي الذي تمثله حركة "حماس" الآن في غزة حتى وإن اختلفنا مع بعض أفكارها.. سنعرض الأحداث ونحللها سعياً لتقديم توصية من باب التناصح في الله، وأيضاً من باب التركيز على "ماذا يجب أن تفعل حماس؟"، ونؤكد على تلك النقطة تحديداً حتى لا ننشغل بقضايا أخرى فرعية مثل لماذا دخلت حماس الانتخابات وهل كان ذلك خطأ استراتيجياً.. إلخ.. ما حدث قد حدث، وقد فرض على حماس خيارات، فالواقع الآن أن حماس في مأزق، وللأسف الشديد تكالبت عليها الأمم.. وينبغي على قادة ومفكري الأمة أن يتقدموا بالنصيحة للإخوة في فلسطين.
وخطر في ذهني خاطرة بالأمس، واعذروني لأني قلت أننا لا نريد أن ننشغل بالماضي، إلا أني انتبهت إنه في غمار ما حدث في الأراضي المحتلة غابت "قضية فلسطين"، فلم يعد هناك صوت واحد يتحدث عن "القضية الفلسطينية"!.. غابت القضية الرئيسية وانشغلنا بالقضايا الجزئية، فحق حماس علينا أن ننبهها ونقدم لها النصح، وأيضاً نذكرهم بالقضية الأساسية التي قامت من أجلها حماس، والتي لن تنتصر حماس ولا غيرها إلا بتمسكها بالقضية الأساسية وهي تحرير فلسطين من النهر إلى البحر.
بالنسبة للندوة اليوم، هناك عدة محاور مقترحة للنقاش:
- هل تؤدي تداعيات الأحداث إلى إغفال القضية الأساسية وهي تحرير كامل التراب الفلسطيني، والاهتمام فقط بالصراع الآني بين "فتح" و"حماس".
- ما موقف القوى السياسية– وخاصة الإسلامية – من الصراع ونتائجه.
- ماذا لو تم تصفية حركة "حماس"، وأثر ذلك على مسيرة الجهاد؟
- ماذا لو انتصرت حماس، وهل هذا ممكن؟
ونرحب بأي محور يقترحه المشاركون خلال المناقشة.. وليتفضل الدكتور أحمد عبد الرحمن، وأترك إدارة الندوة للأستاذ "مؤمن الهباء".
د. أحمد عبد الرحمن: الصورة التي نسمع عنها ونشاهدها اليوم في فلسطين، صورة مصغرة لما جرى ويجري وسيجري في العالم الإسلامي.. الذي يحدث في فلسطين هو صراع بين قوى كل منها يعمل ضمن إطار مضاد للإطار الآخر، وليس خلافاً داخل إطار واحد، الخلاف داخل إطار واحد يكون مثل الخلاف بين الشافعية والحنابلة والحنفية مثلاً، كلهم يقولون قال الله وقال الرسول، هذا مثال خلاف داخل إطار، وهو خلاف محمود، لكن الخلاف بين "فتح" و"حماس" خلاف بين قوة إسلامية تريد أن تأخذ الإسلام أخذاً كاملاً، لا تجتزئ ولا تنتقي من السنة ما يناسب أهواءها، وهذه الصورة – صورة حماس – موجودة في كل دول العالم الإسلامي، الفئة التي تحرص على الإسلام كاملاً، لا تجتزئ ولا ترد حرفاً واحداً من القرآن ولا من السنة.
الفئة الأخرى تقول نأخذ من الإسلام ما يتواءم مع الحضارة الغربية، وتزعم إن العالم لن يقبل الإسلام كله، فنأخذ بعضه وندع بعضه.
ليس الخلاف بين "حماس" و"فتح" في طريقة مقاومة الصهاينة، كأن نتصور إن طرفاً يقول المقاومة بالسلاح والآخر يقول المقاومة بالمفاوضات، بالعكس، هذا خلاف جانبي تماماً، إنما الخلاف الأساسي هو أن الفرقتين تعملان ضمن إطارين متضادين متناقضين، وهذا العنصر غائب عن التحليلات التي نقرأها ونسمعها، كلٌ يتكلم عن أشياء أعتبرها إفرازات للصدام الأساسي وليست مسببة له، وهذا الصدام كما قلت موجود في مختلف دول العالم الإسلامي.. الفريق الذي يقبل بتجزئة الإسلام هو موضع رضا من الغرب؛ لأن هذا الاجتزاء يسمح بتصدير الفكر الغربي، ويسمح بتغيير أجزاء أساسية من الإسلام.. أما الفريق الآخر فيعرفه الغرب جيداً.. الغرب يدرك معنى الإسلام الذي تنادي به "حماس" وفريقها، الإسلام الكامل الذي لا يقبل التجزئة أو المساومة، هذا الإسلام يعرفه الغرب جيداً: قوة فكرية منافسة للغرب تغزوه في عقر داره، وتستقطب مفكرين كبار، وتستقطب جماهير غفيرة تدخل الإسلام.. كل الدارسين الغربيين يتخوفون من هذا جداً، خصوصاً في فترة حضارية وثقافية في الغرب تعاني اضمحلالاً وضعفاً، فالماركسية انهارت، والرأسمالية في طريقها للانهيار ويبحثون عن الطريق الثالث لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في هذه الفترة ظهرت هذه القوة القادرة على إقناع الناس ومخاطبة عقولهم، قوة تشمل نظاماً اجتماعياً عادلاً، ونظاماً أخلاقياً رفيعاً، وعقيدة تجيب على أسئلة العقل البشري.. بديهيات الإسلام المنطقية تمثل قوة مخيفة فعلاً، لا يقضي عليها إلا هذا الفريق الذي يقبل الاجتزاء من هذه العقيدة، يجتزئ ويتراجع ويرقع ويغطي كل جزء يتراجع عنه من الإسلام بالاستعارة من الغرب؛ لذلك الغرب الآن أنشأ من هؤلاء جيشاً في كل دولة مسلمة، فيلق يترأسه هؤلاء، ويُدار بخيوط من الخارج، فكأن هذه القوى كتائب في يد أمريكا تأتمر بأمرها، وتكون قوة واحدة متحدة، في حين يمنع الآخرون من الاتحاد، فنحن مع حماس لكن لا نستطيع مساعدتهم، حيث تُمنع هذه القوى من الاتصال والاتحاد، وأي دولة إسلامية أقامت مؤتمرات شعبية تدعو إلى وحدة الصف الإسلامي مثل السودان، ضُربت.
إذن هذه هي الصورة، العالم كله الآن متجمع تحت قيادة واحدة لضرب التيار وضرب الفكر الإسلامي، وضرب الفئات الإسلامية التي تتشبث بالإسلام كاملاً.. الصين وأمريكا والهند والكيان الصهيوني والبلاد العربية كلها في جيش واحد؛ لذلك الذين يقولون "العرب لابد أن يؤيدوا حماس" هذا قول فيه سذاجة، لأنه لا يمكن أن تؤيد النظم العربية حماس، مستحيل، كيف تؤيد عدوها؟!، لابد أن تؤيد "أبو مازن" و"فتح" والحل السلمي والجلوس إلى طاولة المفاوضات إلا مالا نهاية، والخنوع والخضوع والاستسلام للغرب وإملاءاته، الغرب الذي يزحف علينا يغير مناهجنا وفكرنا.
أ. مؤمن الهباء: ليسمح لي د. أحمد بمقاطعته.. المحور الأساسي للندوة هو (ماذا يجب أن تفعل حماس اليوم؟) ما هي الخيارات المطروحة الآن أمام حماس بعد هذه الفتنة الكبرى التي مرت بها.. لذا يجب أن نركز في الحديث أن تجيب على هذا السؤال حتى نغطي هذا المحور من جميع الأخوة المتحدثين وكلكم أصحاب فضل وعلم.
د. أحمد عبد الرحمن: حماس متمسكة بالإسلام كاملاً، ولن يرضوا عنها إلا إذا تنازلت وقبلت الاجتزاء من الإسلام، إذا قبلت مبدأ الاجتزاء، يكون التفاوض بعد ذلك حول ماذا تترك وماذا تأخذ، بغير هذا، طالما أنها متمسكة بهذا المبدأ فلا أمل لها بأن تنال رضا الفريق الآخر الذي لن يرضى عنها إلا إذا خرجت من جلدها.. حماس الآن اضطرت اضطراراً، هم خططوا لإسقاطها، كلما هدأت الأمور يقوم بعض الأشخاص بعمليات تخريبية يعقبها اتهام لحماس أنها فشلت في السيطرة على الأوضاع..
أ. مؤمن الهباء: كيف ترى سبيل الخروج لحماس الآن من هذه الورطة؟
د. أحمد عبد الرحمن: حماس لن تخرج من هذه الورطة في القريب العاجل، ستناضل وتجاهد وتضحي، لكن أعجبني سياستهم الآن حين أقروا بشرعية "أبو مازن" وامتداد سلطته إلى غزة، فهذه سياسة تدل على تفتحهم ونضجهم السياسي وعلى قوة موقفهم في أي مفاوضات.
أ. مؤمن الهباء: أنت ترى أن تظل حماس على احتمائها بمظلة الشرعية، شرعية السلطة، حتى لو كان لها بعض الملاحظات الخاصة بالممارسة إزاء فصيل معين في فتح..
د. أحمد عبد الرحمن: الفصيل المعين هي استأصلته، والذي لم يكن ليتحقق الأمن في غزة بدون استئصاله.. حماس لم تقم بالانقلاب على فتح، إنما أقرت لها بسلطتها، وأطلقت سراح قادتها، واعترفت بـ"أبو مازن"كرئيس للسلطة الفلسطينية..
أ. مؤمن الهباء: يعني أنت ترى أن تستمر مسيرة الاحتماء بالشرعية الفلسطينية تحت مظلة السلطة الفلسطينية برئاسة "محمود عباس"..
د. أحمد عبد الرحمن: وهي لها السلطة طبعاً باعتبارها تمثل الأغلبية في المجلس



















