كتب / طلعت رميح
فى كل تجارب الشعوب التي قاومت الإحتلال الخارجى، وفق أسلوب ونمط المقاومة الشعبية، أو حرب العصابات، أو الحرب الجهادية، كان النصر حليف القوى الشعبية المقاومة. لقد تمكنت المجموعات الشعبية المسلحة وبمساندة واسعة من الشعب من هزيمة كل جيش إحتلال، مهما كانت قدرته العسكرية التكنولوجية والتكتيكية، أو مهما عظمت خططه وأعداد أفراده، سواء فى توقيت ومرحلة غزوه أو فيما بعد حين تتوفر الشروط الصحيحة للمقاومة.
فى مصر انتهت المواجهة بين المقاومة الشعبية ضد الإحتلال لصالح الشعب والمقاومة، إذ حين غزاها الإمبراطور نابليون بونابرت تواصلت المقاومة ضده لثلاث سنوات متوالية إنتهت بهزيمته (1798-1801)، كما واجهت المقاومة الشعبية المصرية عدوان وغزو الجيش الانجليزى بقيادة فريزر وهزمته (حملة فريزر عام 1807). وفى عام 1951، حين إشتعلت "حرب الفدائيين" فى مدن القناة حيث تركزت معسكرات الإحتلال البريطاني، لم ينقذ قوات الاحتلال سوى حريق القاهرة وكان فعلها ودورها هو الأساس فى خروج الإحتلال بعد يوليو 1952 ضمن الملابسات المعروفة والمفهومة. وخلال حرب اكتوبر 73 تمكنت المقاومة الشعبية فى مدينة السويس من منع القوات الصهيونية من احتلال المدينة.
وفى الجزائر التى إستمر الاحتلال الفرنسى لها لنحو 130 عاما، فقد أخرجته المقاومة الجزائرية حين توفرت شروط المقاومة. وفى فيتنام تواصلت المقاومة الفيتنامية منذ بداية الأربعينات وحتى السبعينات من القرن الماضى لتهزم كل من اليابان وفرنسا والولايات المتحدة خلال نحو 35 عاما. وفى أفغانستان كانت التجربة الأولى فى مواجهة الغزو البريطاني الذي هزمته في منتصف القرن التاسع عشر، ثم الغزو السوفيتى خلال ثمانينات القرن الماضي حتى خرج مدحورا، ثم ها هى الآن تتطور على كل الصعد الإستراتيجية بما جعل هزيمة الولايات المتحدة وحلف الاطلنطى ونظام كرازى العميل قضية وقت ليس إلا.
وإذ لم تنجح تجارب أخرى، فإن المشكلة ليست فى وجود إستثناءات للقواعد العامة – كما هو الحال فى كل قاعدة عامة- ولكنها فى فهم ماذا نعنى بالمقاومة ونظرية الصراع التى تتبعها كمنهج عام لنشاطها وكموجه لمراحل الإستراتيجية التى تعتمدها فى الصراع. لقد جرت أنماط من الصراعات عديدة، خاضت فيها مجموعات "مسلحة" صراعات مع الإحتلال، لكنها فشلت. وفى ذلك فإن المشكلة هى أن نظرية صراع المقاومة لم تكن حاضرة فى تلك التجارب، إذ المقاومة نظرية شاملة للصراع وشروط محددة- وليست مجرد وجود مجموعات مقاومة مسلحة - إن لم تتوفر لا يمكن لها ان تحرز النجاح المطلوب .
وقد لا تتمكن حركات مقاومة أخرى من إنجاز أهدافها "النهائية" وإعلان النصر النهائى، رغم توفير كل شروط الإنتصار الداخلية، ويرجع ذلك الى أوضاع وملابسات تتعلق "بالطبيعة الخاصة" للبلد الذى يجرى حوله الصراع ،إذ في بعض حالات الإحتلال يحدث إنتصار المقاومة فيها إنقلاباً إستراتيجياً شاملاً فى الوضع الدولى، وتغييراً على مستوى أقاليم بكاملها، بما يجعل المعركة متطاولة وأشد شراسة، وبشكل خاص حين يأخذ الصراع بعداً عقائدياً واضحاً ومتناقضاً تماماً بين المقاومة أو الجهاد والبلد المحتل.
المقاومة فعل شعبى..
المقصود بفعل المقاومة، هو أنها بالأساس حركة شعب من أجل التحرر من الإحتلال، وليست حركة مجموعة من النخب التى تشكل مجموعات سياسية أو عسكرية سياسية لمقاومة الاحتلال. وفى ذلك فإن دور النخبة أو العصبة أو المجموعة الأولى لا يتعدى كونه عملية تحريض وإستنهاض للهمم وإدخال الشعب فى المواجهة، ومن ثم فإذا ظلت تلك المجموعات النخبوية على حالها دون أن تحظى بدعم شعبى متصاعد ومتواتر بمعدلات كبيرة فإنها تدخل فى نفق مظلم بدالة متصاعدة حسابيا أو هندسيا بسبب تصاعد الفعل العدوانى من جيش الإحتلال ضد المجموعات الأولى وضد الشعب المحتل نفسه، وغالباً ماتؤدي هزيمتها الى إنتكاسة تعود بالأوضاع الى ما هو اسوأ من قبل ظهورها على ساحة الفعل.
والمقاومة ليست نمطا من أنماط العمل العسكرى، وإنما العمل العسكرى هو جانب من نشاطها وذو وظائف محددة، أولها: استنهاض همم الشعب المحتل وضرب المثال والنموذج فى تحدى جيش الاحتلال وقهره، وفى منعه من التواصل المريح والمنظم مع جمهور الشعب المحتل. وثانيها: إضعاف العملاء وكشفهم وعزلهم، وهو أمر بالغ الأهمية كما هو معلوم بسبب ما يمنحه وجود العملاء من غطاء للإحتلال. (ظلت مصر محتلة لمدة سبعين عاماً مع وجود حكومات وأحزاب وجيش وبوليس، كان الإحتلال يتخفى وراءها). وثالثها: إصابة جيش الإحتلال بالإرباك والإنهاك وإفقاده المبادرة وإرادة القتال والبقاء عبر سلسلة طويلة من الأعمال القتالية والسياسية والجماهيرية. ورابعها: منع القوات المحتلة من الإستقرار فى البلد المحتل ومن تحقيق أهدافها العقائدية أو الإقتصادية وإنفاذ سياستها من عملية الاحتلال .
وفى ذلك فالمعنى العام والشرط المحدد فى حقيقته، ليس فى تكوين مجموعات مسلحة لمقاتلة جيش الإحتلال العدو، وإنما فى جعل شعب البلد المحتل – قطاعات واسعة – من حالة قابلة للإحتلال الى حالة رافضة للإحتلال ومقاومة له ومقاتلة له. وتبدو أهمية هذا العامل من أن بعض تجارب الإستقلال لم يستخدم فيها السلاح، كما هو الحال فى النمط الهندى للتحرر، إذ إعتمدت حركة الإستقلال والمقاومة على الفعل السياسى الجماهيرى فى مواجهة الرصاص، إعتمادا على
المزيد