إعداد / صلاح عبد الصبور

بعد ساعات سيتحول جسده إلى شظايا متناثرة، ولكن روحه ستنطلق إلى السماء مع الشهداء والصديقين في الفردوس الأعلى إن شاء الله، كما أن أعدائه سيهرولون لجمع بقايا جثث أقرانهم من الوحوش الذين انتهكوا حرماته واغتصبوا نسائه، وقتلوا أطفاله ، فمازال يذكر آلة الحرب الصهيونية وهي تدهس ابن أخيه وتفقع رأسه ليتدفق منها الدماء ، فيزداد إصرارا على قراره، ويذكر أخته التي نهش لحمها جنود الاحتلال في مدينة القدس المحتلة، وصورة والده الذي استشهد في أحد العمليات العسكرية الهمجية في رام الله وهو في مقتبل عمره لم تفارق خياله ، فقد حدد هدفه وودع والدته التي قالت له " توكل على الله ياولدي وخذ بثأرنا من الأعداء" وقبل زوجته واحتضن أطفاله الثلاثة، وأخذ القرار وذهب للتنفيذ .
تنكر في ملابس أخفت حزامه الناسف، وذهب في طريقه إلى الدورية القابعة على مشارف مدينة القدس، ووقف وسط المشهد الذي يراه كل يوم ويدوس على أسنانه، وهو في وضع التفتيش اليومي نظر إلى السماء، ونطق الشهادتين ونزع فتيل الحزام الناسف فتحول المكان إلى نيران وأدخنة وجثث متناثرة، ونجحت العملية الاستشهادية البطولية في قتل 15 جنديا إسرائيليا وإصابة أكثر من عشرين أخرين كما دمرت عدد من الآليات العسكرية للعدو.
وبعد ساعات قليلة نقل راديو إسرائيل خبرا إلى وكالات الأنباء قال فيه : إن أحد المتمردين فشل في تنفيذ عملية استهدفت عددا من المدنيين الإسرائيليين، وأدت إلى مقتل سيدة عجوز من عرب إسرائيل وإصابة ثلاثة أخرين بجروح طفيفة" !
واعلنت الجهات الدولية والحقوقية استنكارها للحادث وأعلن مجلس الأمن عقد قمة طارئة لدراسة الموقف المتأزم في إسرائيل .
ولكن الشعب الفلسطيني الذي يتجرع مرارة العدوان كل يوم، هلل لنجاح العمل البطولي بعدما أكدت مصادر المقاومة الفلسطينية أن العملية نجحت في قتل عدد كبير من الجنود الصهاينة، وأن العملية جزء من الرد على العدوان الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطيني والبقية تأتي .
ثقافة الاستشهاد
تتمثل القاعدة الأساسية لإرادة المقاومة الفلسطينية في شجاعة اتخاذ قرار الموت في وجهه من يهابونه، لأن اعتقادهم بأن الموت شهادة وطريقا للحياة الخالدة هو الذي يجعلهم ينتصرون دائما على الذين يعتقدون أن الموت فناء وضياعا، فثقافة الاستشهاد سلاح فلسطيني لا يمكن أن ينتزعه أحد، والتاريخ يؤكد أن المقاومة والجهاد هو الطريق للحرية واستعادة الذات، ومن حق الشعوب التي ترزح تحت الاحتلال أن تدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من وسائل لتحقيق حريتها واستقلالها.
وهي ثقافة شعبية وليست أعمال فردية، حيث يؤكد رأي الناس في الشارع الفلسطيني قيمة استراتيجية المقاومة والاستشهاد، واستطلاعات الرأي التي أُجريت حول هذا الموضوع تؤكد أن دعم الفلسطينيين للعمليات الاستشهادية يصل إلى أكثر من90 % (حسب إحصائية الجزيرة نت) ، 78 % حسب استطلاع آخر قامت به الجريدة الإسرائيلية يديعوت أحرونوت، كما تشير الاستبيانات العلمية إلى أن نسبة تأييد العمليات الجهادية الاستشهادية ارتفعت باطراد كبير بعد انتفاضة الأقصى عام 2000م .
كما تحولت العمليات الاستشهادية إلى مطلب اجتماعي ضروري لحماية وجود الشعب الفلسطيني ومطلب استراتيجي لحماية العودة الفلسطينية بتفكيك المجتمع الصهيوني بالقوة، وتعد التضحية بالنفس نقلة نوعية في مستوى الوعي بقواعد الصراع، فالاستشهاد حركة فكرية ونفسية قبل أن يكون حركة جسدية في ميدان المعركة، والقنبلة البشريّة ظاهرة اجتماعيّة سياسيّة شاملة تخترق شرائح كبيرة من شعب كامل ، حيث أصبحت أمتدادا طبيعيا لثقافة المقاومة، ونشأت في ظروف خاصّة بالواقع الفلسطيني، كنتيجة للتّفاوت العسكريّ بين قوات الاحتلال ورجال المقاومة .
والعملية الاستشهادية التي تقصد إعلاء كلمة الله والدفاع عن راية الإسلام ، تختلف عن العملية الانتحارية التي ترجع لمرض نفسي أو لغرض دنيوي كالانتقام والثأر أو لنصرة عقيدة باطلة ، كما أن العملية الاستشهادية لم تظهر في وقتنا المعاصر فقط ، بل كانت موجودة منذ بداية ظهور الإسلام، ومن العمليات المشهورة التي نقلها المؤرخون عن الصحابي الجليل "البراء بن مالك" في حرب مسيلمة الكذّاب، حين طلب من أصحابه أن يحملوه على ترس على أسنة رماحهم ، ويلقوا به داخل حائط يحتمي به الكفار وقاتل حتى قُطع جسده واستشهد .
في ميزان المعركة
عرف جهاز "الشاباك" الإسرائيلي العملية الاستشهادية بأنها "كل فدائي قام بتنفيذ عملية يحمل حقيبة أو حزاما ناسفا، أو سيارة مفخخة بالمتفجرات، لاسيما إن كتب وصية وسجل شريطا، على أنه الشهيد الحي قبل تنفيذ العملية، أو كل من قام بعمليات إطلاق نار وسط جمهور في مدينة أو تسلل إلى مستوطنة، وكانت فرص نجاته ضعيفة".
وأكدت المصادر الإسرائيلية أن عدد القتلى الإسرائيليين نتيجة عمليات المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الاقصى قد بلغ 599 قتيلا ونحو4206 من الجرحى معظمهم قتل نتيجة العمليات الاستشهادية التي حصدت 432 قتيلا من بين القتلى الـ 559 ، هم عدد القتلى الإسرائيليين خلال 21 شهرا من عمر الانتفاضة ، وبنسبة 77.3 % من القتلى، إضافة الى نسبة تزيد عن 90% من الجرحى نتيجة هذه العمليات، كما قلصت الفارق بين عدد القتلى الإسرائيليين وعدد الشهداء الفلسطينيين من واحد الى عشرة تقريبا مع انطلاقة الانتفاضة وقاربتها إلى واحد إلى ثلاثة أي ثلاثة شهداء مقابل كل قتيل إسرائيلي، وهي نسبة لم تتحقق على مدى تاريخ الصراع الفلسطيني الإِسرائيلي.
كما اعترفت إسرائيل أن العمليات الاستشهادية سلاح فتاك يهدد وجودها بالزوال ، حيث أصدر مركز "جافي للدراسات الاستراتيجية" في جامعة تل أبيب - أحد أهم مراكز الدراسات الإسرائيلية - دراسة مفصلة حول ظاهرة العمليات الاستشهادية، وناقشت خطورتها على إسرائيل، حيث وصفت سلاح العمليات الاستشهادية بأنه هذا السلاح "وحشي فتاك يسهل استخدامه وتصعب مقاومته"، وهو يتميز في الوقت ذاته بأنه يتسبب في وقوع خسائر فادحة في الأرواح في الجانب الإسرائيلي، ويشيع حالة رعب كبيرة في أوساطهم تؤدي إلى إرباك الحياة هناك .
وقالت الدراسة إن حماس تشكل الأب الروحي لهذه العمليات وأن رجال حماس يقفون وراء العمليات الفتاكة جدا، في إشارة إلى علمية فندق بارك في نتانيا عشية "عيد الفصح" في 27 أبريل 2002م التي سقط فيها أكبر عدد من الإسرائيليين في عملية واحدة حيث قتل 29 إسرائيليا، وأعطت الدراسة أمثلة أخرى لعمليات نفذتها الحركة وأسقطت أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، وفي تفسيرها لسبب قوة عمليات حماس قالت: "إن حركة حماس تحرص أكثر من الحركات الأخرى على اختيار المرشحين لتنفيذ العمليات، وتؤهلهم بصورة جيدة جداً".
وأرجعت الدراسة الدوافع لتنفيذ العمليات الاستشهادية إلى الدافع الديني الأيديولوجي الناتج من القناعة بأن الاستشهاد ضد اليهود هو أعلى تضحية في سبيل الجهاد، في إشارة إلى تأثير الفتاوى في تشجيع الشباب على تنفيذ العمليات الاستشهادية، وخاصة فتاوى الدكتور يوسف القرضاوي، كما أشارت إلى دافع الرغبة في الانتقام لمقتل أو جرح أحد أقارب العائلة أو صديق أو اغتيال نشطاء أو أعضاء في الحركات الفلسطينية على أيدي القوات الإسرائيلية، والدافع النفسي والاقتصادي الناجم عن قتل وجرح عدد كبير من الفلسطينيين في المواجهات مع الإسرائيليين، والضائقة الاقتصادية الصعبة والإغلاقات والحواجز التي عمقت مشاعر الإحباط واليأس، بالإضافة إلىالكراهية الشديدة لـ "إسرائيل".
وقالت الدراسة إن المجتمع الفلسطيني يضع الاستشهاديين في مكانة مرموقة، وينظر إليهم باحترام كبير، حيث تعتبر سيرة حياتهم وعملهم جزءاً من تاريخ المقاومة الفلسطينية، وترفع صورهم في الساحات والشوارع، وتروى قصص بطولتهم في المساجد وفي الشوارع والمدارس، لذلك تتولد لدى الكثير من الشبان الرغبة في السير على دربهم ، مؤكدة دعم أكثر من 90% من الفلسطينيين لهذه العمليات.
في ميزان الشرع
أن حرب العصابات صارت جزءاً من نظام الحروب الذي يدرس في المعاهد والأكاديميات الحربية، وقد احتاج إليها المسلمون على وجه الخصوص لأسباب عديدة، نتيجة روح الفدائية والتضحية وحب الاستشهاد، وما يتعرضون له في عدد من بلادهم من سطوة أعدائهم وضيق الخيارات لديهم ، وحسب رأي الشيخ سلمان العودة الذي قام بمراجعة الحالات المشابهة في النصوص الشرعية، فأنه يجوز القيام بعملية من هذا النوع بشروط استخرجها من كلام الفقهاء، ومن أهمها : أن يكون ذلك لإعلاء كلمة الله، وأن يغلب على الظن أن في ذلك نكاية بالعدو، وأن يكون هذا ضد كفار أعلنوا الحرب على المسلمين، وأن يكون هذا في بلادهم أوفي بلادٍ دخلوها وتملكوها وحكموها، فاليهود في فلسطين، والروس في الشيشان ممن يمكن تنفيذ هذه العمليات ضدهم بشروطها المذكورة، وأن تكون بإذن الأبوين، لأنه إذا اشترط إذن الأبوين في الجهاد بعامته، فإذنهما في هذا من باب أولى .
أما الشيخ محمد عيد العباسي فقال : إن هذه العمليات الاستشهادية لا علاقة لها بالانتحار، وذلك لأن الانتحار هو قتل النفس بغية التخلص من الدنيا وما فيها من مصائب ونكبات وهموم وغموم، بخلاف هذه العمليات التي يقصد بها إعلاء كلمة الله فهي نوع من الجهاد في سبيل الله، ولا شك أن كل عاقل يفرق بين الانتحار وبين العمليات الاستشهادية، وأن هذه العمليات وإن كانت غير موجودة في السابق، إلا أن أصول الشريعة الإسلامية تؤيدها، ومما يدل عليها ما ثبت في قصة أصحاب الأخدود وذلك أن الملك لما عجز عن قتل الغلام دله على طريقة قتله فقتله بها فمات، ولكن اعتبر هذا الفعل منه شهادة لما فيه من المصلحة، إذ أنه بهذا الفعل آمن به قومه وبين للناس حقيقة باطل الملك ومن معه.
ورأي الدكتور خالد القريشي (الأستاذ المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) أن العمليات الاستشهادية في فلسطين من الأمور المستجدة التي اختلف فيها العلماء ما بين مبيح لها ومحرم، وذلك بحسب اختلاف وجهة نظرهم للأدلة، والذي يظهر لي والله أعلم أنه إذا تمت هذه العمليات من قبل رجل مسلم محافظ على دينه مقيم لحدوده وشرائعه، وبالرجوع إلى أهل الحل والعقد عندهم ممن يرون لها أثرا بالغا على العدو، فإنه إن شاء الله يؤجر عليها، وبإذن الله يكون في عداد الشهداء إذا أخلص النية لله وكان هدفه الإسلام وليس الوطنية ونحوها.
وأيد الشيخ عبد الله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية العمليات الاستشهادية، واعتبرها قربة كريمة يتقرب بها المسلم إلى ربه، وقال : إنه لا شك أنها من أفضل أبواب الجهاد في سبيل الله، ومن استشهد في مثل هذه العمليات فهو شهيد إن شاء الله، وأوضح أن التاريخ الإسلامي في عهد النبوة وفي عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم يشتمل على مجموعة من صور الجهاد في سبيل الله, ومن أبرز صور جهاد البطولة والشجاعة النابعة من الإيمان بالله وبما أعده سبحانه للشهداء ما في قتال المرتدين وفي طليعتهم مسيلمة الكذاب وقومه .
وأجاز الشيخ حسن أيوب في كتابه "الجهاد والفدائية في الإسلام "صفحة (243) أن يلقي المسلم بنفسه في التهلكة لصالح دينه والمسلمين، لأنه بذلك يفدي دينه وأمته بنفسه وذلك آية التضحية وأعلاها، وكم قام المسلمون السابقون بعمليات إقدام واقتحام كلها تضحية وفداء تشبه ما يقوم به المقاومون اليوم من أعمال فدائية تنزل في الأعداء أعظم الخسائر كتدمير منشآتهم، وإغراق سفنهم الحربية وتفجير معسكراتهم ومصانعهم ، وهم يعلمون أنه لا نجاة لهم من ذلك.
واعتبر الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي العمليات الاستشهادية من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، وأنها من الإرهاب المشروع الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تع
المزيد