الفن الهندي.. من معابد بوذا إلى حضارة الإسلام
كتبهاصلاح عبد الصبور ، في 14 فبراير 2009 الساعة: 12:01 م
عقائد الهند وأربابها منبعا لفنون النحت والعمارة والتصوير
• مخطوطة “حمزة نامه” تشيد بمآثر سيدنا حمزة عم النبي ( ص ).
• مقام تاج محل تحفة زخرفيه في صياغة الأحجار الكريمة.
• الدراما الهندية تستقي مادتها من الملاحم الدينية.
• رقصة “الكاتاك” مرتبطة بمغامرات كريشنه مع محبوبته.
عرض/ صلاح عبد الصبور
قدم د. ثروت عكاشة في موسوعة تاريخ الفن “العين تسمع والأذن ترى” التي صدر منها ثمانية وعشرون جزءاً، استعراض خلالها الحضارات الإنسانية المتعاقبة بادئاً بفن سكان الكهوف في العصر الحجري القديم مختتماً بفنون القرن الثامن عشر .
بدأ الباحث بنبذة تاريخية عن نشأة الهند مستعرضا معتقداته الدينية على مر العصور وما صنعته من ملامح وطقوس وأناشيد كانت بمثابة المفتاح السحري لهذا الفن الذي استلهم موضوعاته منها مجتمعه، كما يظهر في مباني ” الستويه” التي شيدت قبل قرون من الميلاد في مملكة “ماجواه” بوادي نهر جانجه، فيما ازدهرت فنون الهند في مطلع القرن الأول الميلادي بانتشار المدارس الفنية مع تطور العقيدتين “الهندوكية والبوذية”، كما اتخذ الهنود من الطبيعة والأرواح آلهة، وظهر دور رجال الدين فظهرت طبقة “البراهمانية” من جماع الكتب المقدسة في العقيدة الهندوكية.وقدم الباحث تفسيرا لبعض المصطلحات الخاصة بالعقائد الهندية فعرف “الهندوكية” بأنها نظام متكامل للحياة، وهي رأي معقد ظاهره تعدد الآلهة وباطنه التوحيد، و”اليوجا” تطلق على الحياة الصوفية التي يراد بها تخليص الإنسان من أوهام العالم الحسي وهي أحد نظم الفلسفة الهندية التي تقوم على نظرية فسيولوجية، أما “الجيينية” فهي أحد العقائد الهندية التي تهدف إلى العلو بالإنسان إلى مراتب الكمال، و” البوذية” بنيت على مبدأ ضبط النفس من خلال التخلص من الشهوات وإتباع التعاليم والعقائد السليمة، ولا توجد طقوس وشعائر لها فهي نظرية خلقية، والنصوص البوذية تسجل قصص من حياة بوذا ومواعظه.
وانتشرت أفاريز النحت البارزة الممتدة فوق الجدران في أسرة “فيجايه نجر” لتمثل مواكب الجند والفرسان والفيلة والراقصات وبلغ التصوير ذروته كما في معبد ” بدراوبادي” في هامبي، ومن أسرة ” ناياك ” يرجع التمثال العاجي الرهيف للملك تيروماله وعقيلته المحفوظ بمتحف سيريرانجام، ولوحة راتي إله الحب وزوجته كامي وهي تمتطي ظهر أوزة، والإله شيفه وهو يرقص.
مدارس التصوير
استلهم فنانو التصوير الجداري في الهند فنونهم من قصص بوذا وسيرته التي تكشف عادات الهند وأعرافها، وتميز التصوير بخطوطه العريضة المعبرة وتناغم ألوانه وإضفاء العاطفة الحادة عليه، فاهتموا بتصوير الحب الحافز على تواصل الجنس البشري وتكاثره.
استعرض الباحث في دراسته الإسهام الإسلامي المغولي في الحضارة الهندية ، الذي بدأ في عهد ظهير الدين محمد بابر 1501م الذي أسس إمبراطورية المغول على إطلال سلطنة دهلي ناقلا فنون الحضارة الإسلامية إلى هناك فتميز التصوير في حقبته بالحكايات التي تمجد أبطال الإسلام والقصائد الرومانسية والتاريخية للسلاطنة ، وفي عهد “همايون” الذي يعد الراعي الأول للتصوير المغولي في الهند ومن أبرز المخطوطات كانت مخطوطة “حمزة نامه” التي تشيد بمأثر سيدنا حمزة عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، والتي تعد الرمز الفني المعبر عن الفتح الإسلامي المغولي للهند وتتكون من 1400 صورة .
وينتهي الباحث بنظرة إلى فن شاعر الهند العظيم “رابندرانات طاجور” المولود عام 1861م والذي تكمن عبقرية أعماله في قدرتها على التسلل إلى جوهر النفس الإنسانية إلى أن يحتويها، والمزج بين الحسية الرومانسية والصوفية الروحانية ، كما قال عنه أدباء الغرب، ليستحق أن يحصل على جائزة نوبل في الآداب 1913م عن ديوانه ” جيتا نجالي” الذي تضمن رسائل روحانية من وحي الخيال ، ليكون أول أديب شرقي يحصل على هذه الجائزة، ويكون سببا في نقل الثقافة الهندية إلى اللغات الأخرى.
وفي إطلالة على العمارة المغولية نذهب مع الباحث إلى الأضرحة التي كانت من السمات المميزة لهذه الحقبة مثل ضريح”إسماعيل الساماني” في بخاري، ويلاحظ التأثر بالعمارة الفارسية القديمة في مأذنة منار قطب والقلعة الحمراء “لال كيله” التي شيدها شان جهان في دلهي، ويعد مسجد الجمعة بدلهي ومقام تاج محل بآجرا نموذجين مثاليين للمباني الراقية رفيعة المستوى .
ويعتبر مقام تاج محل الخلف الشرعي لضريح همايون وترجع قصة بناءه إلى أن الإمبراطور ” شاه جهان” عندما توفيت زوجته ومحبوبته “ممتاز محل” وهي تضع مولودها الرابع عشر، حزن عليها حزنا شديدا، فقرر أن يبني لها مقام يخلد ذكراها، فجمع عمالقة المهندسين والفنانين في البلاد لعمل تصميم مكتمل لا يعيبه شئ، حتى أنه لإتمام هذا البناء الضخم استخدم 20 ألف عامل يوميا طوال عام 1643م، ووضع تحفة معمارية للبشرية أصبحت من عجائب الدنيا السبع، لتأثيرها الساحر والأخاذ لمن يزروها؛ حيث توج مبنى الضريح بقبة ضخمة بصلية الشكل مكسوة بالمرمر الأبيض تعلوها خوذة زخرفية ينبسق منها عمود من النحاس المشغول ينتهي بهلال، ليشكل الحصاد الزخرفي لتاج محل العنصر المثالي المميز لعهد شان جهان في العمارة والتصوير وصياغة الأحجار الكريمة .
الدراما والموسيقى والرقص
انبثقت الدراما الهندية كغيرها من الفنون من الطقوس والشعائر القديمة، حيث بنيت بصفة عامة على توحد فنون الشعر والرقص والموسيقى في عمل تكوين قائم بذاته ينصب الاهتمام فيه على براعة الأداء أكثر من المضمون، وتستقى الدراما الهندية مادتها من الملاحم الدينية مثل المهابهارت، ويلاحظ اتجاه المسرح السنسكريتي للرمز في أسلوب الأداء والإيماءات الدقيقة للممثلين، والمسرحية السنسكريتية هي عبارة عن قصيدة شعرية تؤدى تمثيليا، كما يعرض الأدب المسرحي “الكرينشوي” قصص كريشنه راعي البقر العربيد ومغامراته مع فتيات الجوبي.
أما الموسيقى فهي فن يرجع تاريخه إلى ثلاث آلاف عام، حيث شاعت في الهند أنواع من الطبول والآلات الطرقية، ولكن ظل الصوت الأدمي أرفع مصادر الموسيقى شأنا، ويعد ” السيتار” أشهر آلات الموسيقى الهندية، والراجه ماله مصطلح يوضح العلاقة بين النغم وتآلفاته في تكوين موسيقى ضمن إطار أحد المقامات، حيث يوجد 36 مقاما موسيقيا هنديا.
ويعتبر الهنود الرقص قربانا يقدمونه للآلهة ، ومن الرقصات الشعبية في الهند الرقصات الحربية التي تبث روح الشجاعة والنصر، ورقصة “جاربه” التي ترقصها النساء ، بينما يرقص الرجال رقصة “داندياراس”، ومن الرقصات الكلاسيكية رقصة ” بهارات نايتام” وهي قصة تعبيرية في أداء راقص ، و”الكوتشيودي” و”الاوديسي” التي أخذت وصفاتها الحسية من منحوتات معابد كوناراك، ورقصة “المانبيوري” بمملكة مانبيور في آسام والتي ترتبط بأساطير كريشنه، و “الكاتاك” المرتبطة بمغامرات كريشنه مع محبوبته رادهه والتي تؤدى بأسلوب التعبير الإيمائي ، و” الكاتاكالي” الرقصة الدرامية المقتبسة من الأساطير الهندوكية في ملحمتي المهابهارت والرامانيه.
يستعيض الشاعر ” كاليداسه” 320م - كأحد رموز الأدب الهندي- عن المبالغات المأثورة بدلالات مختلفة صور فيها البشر والحيوان والشجر والسحب؛ حيث كان لأعماله تأثيراتها على الفنون الأخرى من نحت وتصوير ، بينما يقدم الشاعر “شودراكه” مسرحية “القرية الصغيرة المصنوعة من الصلصال” التي تقوم على الواقعية الاجتماعية وتتناول بالسخرية السلوكيات والأخلاقيات المرتبطة بالمادة، ومن الأدب الهندي القديم ” البانشتنتر” وهي مجموعة قصصية رمزية يرويها أحد الحكماء على لسان الحيوان، أما “التيبيتاكه” أو السلات الثلاث فهي مختارات من أحاديث بوذا ومواعظه.
نبذة عن الكاتب
د. ثروت عكاشة المولود في القاهرة 1921 عمل في حقول العلم والاقتصاد والبحث الفكري والأدبي، وهو خريج الكلية الحربية ،1939 ، وحاصل على دكتوراه في الآداب في جامعة السوربون 1960 وشغل منصب سفير مصر في روما 1957 1958 ووزير للثقافة والإرشاد القومي 1958: 1962 وعمل رئيسا للمجلس الأعلى للفنون والآداب، ووزيرا مرة أخرى للثقافة 1967 : 1970 وقد نال جائزة الدولة التقديرية للفنون 1988م
من أهم أعماله ترجمة الأعمال الكاملة لجبران خليل جبران وغيرها من الأعمال الخالدة مثل مسخ الكائنات وفن الهوى للشاعر اللاتينى أوفيد، ومولع بفاجنر لبرنارد شو، ومن أعماله في التأليف موسوعة تاريخ الفن العين تسمع والأذن ترى ، وفى مجال التحقيق قدم كتاب المعارف لابن قتيبة، وعن التراث القومي العربي والإسلامي والفرعوني أصدر فن الواسطى من خلال مقامات الحريري، ومعراج نامة أثر إسلامي مصور، وإنسان العصر يتوج رمسيس، وتميزت إصداراته بضمها مجموعات من الصور واللوحات الفنية النفيسة، الملونة وغير الملونة، يتعرف من خلالها القرّاء على ذخائر التراث الإنساني.
والأدب الهندي يشمل عدد من الملاحم الأسطورية التي تروي تاريخ الهند كما في ملحمة الهند الكبرى “مهابهارت” للشاعر “فياس” التي تكون من مائة آلف بيت تدور حول الأشعار الدينية والحرب القبلية، بينما تضم ملحمة “رامانيه” 48000 بيت في سبع أجزاء تروي فيها مغامرات الصياد، وتقدم ملحمة ” البهجوت بورانه” أناشيد في العقيدة الفشنوية، أما ملحمة ” الجيتاجو فينده” فتقدم أغاني الإله ” كويشنه” الذي يمثل محور المجمع الإلهي الهندوكي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتب | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































مايو 25th, 2009 at 25 مايو 2009 3:16 م
السلام عليكم
معلومات قيمه شكرا لك
وتحياتي